فصل: قال مجد الدين الفيروزابادي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآيتين:

قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بيِّنَةٌ مِّن رَّبِكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ}.
أزاح كلَّ عِلَة، وأبدى كل وصلة، فلم يُبْقِ لك تعللا، ولا في آثار الالتجاء إلى العذر موضعًا.
قوله جلّ ذكره: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزَى الَّذينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}؟
عقوبةُ كلِّ جُرْمٍ مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهي ما يوجب بقاءهم في أَسْرِ الشك حتى لا يستقر قلبهم على شيء. اهـ.

.من فوائد الشوكاني في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}
هذا الكلام مسوق لتقرير التوصية التي وصى الله عباده بها، وقد استشكل العطف بِثُمَّ مع كون قصة موسى وإيتائه الكتاب قبل المعطوف عليه.
وهو ما تقدم من قوله: {ذلكم وصاكم بِهِ} فقيل: إن ثم هاهنا بمعنى الواو وقيل: تقدير الكلام، ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل المعنى: قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب وقيل: إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبيّ يوصي بها أمته وقيل: إن ثم للتراخي في الإخبار كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت بالأمس أعجب.
قوله: {تَمَامًا} مفعول لأجله أو مصدر، و{عَلَى الذي أَحْسَنَ} قرئ بالرفع، وهي قراءة يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، فيكون رفع أحسن على تقدير مبتدأ، أي على الذي هو أحسن، ومنه ما حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا.
وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين، وأجاز الفراء والكسائي أن يكون اسمًا نعتًا للذي، وهذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتمّ، والمعنى عندهم تمامًا على من أحسن قبوله والقيام به كائنًا من كان، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ: {تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَوا} وقال الحسن: كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تمامًا على المحسنين.
وقيل المعنى: أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزول التوراة عليه.
وقيل المعنى: تمامًا على الذي أحسن به الله عزّ وجلّ إلى موسى من الرسالة وغيرها.
وقيل: تمامًا على إحسان موسى بطاعة الله عزّ وجلّ قاله الفراء.
قوله: {وَتَفْصِيلًا لّكُلّ شيء} معطوف على تمامًا، أي ولأجل تفصيل كل شيء، وكذا {هُدًى وَرَحْمَةً} معطوفتان، عليه أي وللهدى والرحمة، والضمير في لعلهم راجع إلى بني إسرائيل، المدلول عليه بذكر موسى، والباء في {بِلِقَاء} متعلقة ب {يؤمنون}.
قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ} الإشارة إلى القرآن، واسم الإشارة مبتدأ وخبره كتاب، وأنزلناه صفة لكتاب، ومبارك صفة أخرى له، وتقديم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقًا بها، والمبارك كثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية {فاتبعوه} فإنه لما كان من عند الله، وكان مشتملًا على البركة، كان اتباعه متحتمًا عليكم {واتقوا} مخالفته، والتكذيب بما فيه {لَعَلَّكُمْ} إن قبلتموه ولم تخالفوه {تُرْحَمُونَ} برحمة الله سبحانه، وأن في {أَن تَقُولُواْ} في موضع نصب.
قال الكوفيون: لئلا تقولوا.
وقال البصريون: كراهة أن تقولوا.
وقال الفراء والكسائي: المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة {إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب} أي التوراة والإنجيل {على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} وهم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ} أي عن تلاوة كتبهم بلغاتهم {لغافلين} أي لا ندري ما فيها، ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم، والغفلة عن معناهما.
قوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب} معطوف على {تَقُولُواْ} أي أو أن تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على الطائفتين من قبلنا {لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ} إلى الحق الذي طلبه الله، فإن هذه المقالة والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، وإنزال القرآن عليه، ولهذا قال: {فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي كتاب أنزله الله على نبيكم، وهو منكم يا معشر العرب، فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة وتعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة، فقد أسفر الصبح لذي عينين {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} معطوف على {بَيّنَةً} أي جاءكم البينة الواضحة، والهدى الذي يهتدي به كل من له رغبة في الاهتداء، ورحمة من الله يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها، ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات الله، والصدوف عنها، أي الانصراف عنها.
وصرف من أراد الإقبال إليها {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله} التي هي رحمة وهدى للناس {وَصَدَفَ عَنْهَا} فضلّ بانصرافه عنها، وأضلّ بصرف غيره عن الإقبال إليها {سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آياتنا سُوء العذاب} أي العذاب السيء بسبب {مَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} وقيل معنى صدف: أعرض، ويصدفون يعرضون، وهو مقارب لمعنى الصرف، وقد تقدّم تحقيق معنى هذا اللفظ، والاستفهام في {فمن أظلم} للإنكار، أي إنكار أن يكون أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، مع ما يفيده ذلك من التبكيت لهم.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد {تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ} قال: على المؤمنين المحسنين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صخر {تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ} قال: تمامًا لما كان قد أحسن الله.
وأخرج أيضًا عن ابن زيد قال: تمامًا لنعمته عليهم وإحسانه إليهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وهذا كتاب} قال: هو القرآن الذي أنزل الله على محمد {فاتبعوه واتقوا} يقول: فاتبعوا ما أحلّ الله فيه، واتقوا ما حرّم.
وأخرج هؤلاء عن مجاهد في قوله: {على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} قال: اليهود والنصارى، خاف أن تقوله قريش.
وأخرج ابن المنذر، وابن حاتم، عن ابن عباس، قال: هم اليهود والنصارى، {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ} قال: تلاوتهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ} قال: هذا قول كفار العرب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله: {فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ} يقول: قد جاءتكم بينة لسان عربي مبين حين لم يعرفوا دراسة الطائفتين.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {صَدَفَ عَنْهَا} قال: أعرض عنها.
وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك، في قوله: {يَصْدِفُونَ} قال: يعرضون. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال ابن عادل:

قوله: {فَقَدْ جَاءَكُم}: جواب شَرْط مقدِّرٍ فقدَّرَه الزَّمَخْشَريُّ: إن صَدَقْتُم فيما كُنْتُم تَعْدُّون من أنْفُسِكم، فَقَدْ جَاءَكم، قال: وهو من أحْسن الحُذُوف وقدّرَه غَيْره: إن كُنْتُم كما تَزْعُمون: إنَّكم إذا أنزل عَلَيْكُم كِتَابٌ، تكونون أهْدَى من اليَهُود والنَّصَارى، فقدْ جَاءَكُم، ولم يُؤنَّث الفِعْل؛ لأن التَّأنيث مجازيُّ، وللفَصْل بالمَفْعُول، و{مِنْ ربِّكم} يجوز أن تيعلَّق بـ {جَاءَكُم} وأن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّه صِفَةٌ لبَيِّنَة.
وقوله: {هُدى ورَحْمَة} محذُوفٌ بعدهما: مِن ربِّكُم.
قوله: {فَمَنْ أظْلَمُ} الظَّاهِر أنَّها جُمْلَة مُسْتَقِلة.
وقال بعضهم، هي جواب شَرْط مُقَدَّر، تقديرُه: فإن كَذَّبْتُم، فلا أحَد أظْلَم مِنْكُم.
والجُمْهُور على كَذَّب مُشَدّدًا، وبآيات الله متعلِّق به، وقرأ يحيى بن وثاب، وابن أبي عَبْلَة: {كَذَبَ} بالتخفيف، و{بآيات اللَّه}: يجوز أن يكُون مَفْعُولًا وأن يكون حالًا، أي: كذَّ ومعهُ آيات اللَّه، و{صدف} مَفْعُوله مَحْذُوف، أي: وصدف عنها غيره وقد تقدَّم تَفْسير ذلك [الأنعام: 157] والمُراج: تَعْظِيم كُفْر من كذِّب بآيَاتِ الله: {وصدَف عَنْها} أي مَنَع؛ لأنَّ الأوَّل ضلال، والثاني مَنْع عن الحقِّ وإضْلال. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

.بصيرة في صدف وصدق:

الصَّدَف كجَبَل، والصُّدُف كعنق، و(الصَّدْف كثَغْر)، والصَّدُف كعَضُد: منقطَع الجبل.
وقرئ بالجمِيع.
صَدَف عنه يَصْدِف: أَعرض.
وصَدَف فلانًا صَدْفًا: صَرَفَهُ وأَماله.
وكذا أَصدفه.
وصدفَ فلان صَدْفًا وصُدوفًا: انصرف.
والصَّدُوف: المرأَة التي تعرِض وجهها عليك، ثمّ تصدِف.
والصَّديق والكذب أَصلها في القول، ماضيًا كان أَو مستقبلًا، وعدًا كان أَو غيره.
ولا يكونان بالقصد الأَوّل إِلاَّ في القول، ولا يكونان في القول إِلا في الخبر دون غيره من أَنواع الكلام.
ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}، وقوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}.
وقد يكونان بالعَرَض فىغيره من أَنواع الكلام كالاستفهام، والأَمر، والدّعاءِ، وذلك نحو قول القائل: أَزَيْدٌ في الدّار؛ فإِن في ضمنه إِخبارًا بكونه جاهلًا بحال زيد، وكذا إِذا قال: واسِنى، في ضمنه أَنَّه محتاج إِلى المواساة.
وإِذا قال: لا تؤذنى، ففى ضمنه أَنَّه يؤذيه.
والصّدق: مطابقة القول الضَّميرَ والمُخْبَرَ عنه معًا.
ومتى انخَرم شرط من ذلك لا يكون صدقًا تامًّا، بل إِمّا أَلاَّ يوصف بالصّدق، وإِمّا أَن يوصف تارة بالصّدق وتارة بالكذب، على نظرين مختلفين؛ كقول الكافر من غير اعتقاد: محمّد رسول الله، فإِن هذا يصحّ أَنْ يقال: صدقٌ لكون المخبَرِ عنه كذلك، ويصح أَن يقال: كذبٌ لمخالفة قوله ضميرَه.
وبالوجه الثانى إِكذاب الله تعالى المنافقين حيث قالوا: إِنَّك لرسول الله فقال: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}.
والصِّدِّيق: الرّجل الكثير الصّدق.
وقيل: الصّدِّيق: مَن لم يصدر منه الكذب أَصلًا.
وقيل: مَن لا يتأَتَّى منه الكذب لتعوّده الصّدق.
وقيل: مَنْ صَدَق بقوله واعتقاده، وحَقَّق صدقه، قال تعالى في حقّ إِبراهيم: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا}، وقال: {فَأُوْلَائِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ}، فالصّدّيقون: قومٌ دون الأَنبياءِ في الفضيلة، ولكن درجتهم ثانى درجة النبيّين.
وفى جملة، منزلة الصّدق من أَعظم منازل القوم، الذي نشأَ منه جميع منازل السّالِكين.
وهو الطريق الأَقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقَطِعين الهالكين.
وبه تميّز أَهل النفاق من أَهل الإِيمان، وسكانُ الجنان من أَهل النيران.
وهو سيف الله في أَرضه الذي ما وضع على شيء إِلاَّ قطعه، ولا واجه باطلًا إِلاَّ أَزاله وصرعه.
فهو رُوح الأَعمال، ومحلّ الأَحوال، والحامل على اقتحام الأَهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إِلى حضرة ذى الجلال.
وقد أَمر الله سبحانه أَهل الإِيمان أَن يكونوا مع الصّادقين، وخصّص المنعَم عليهم بالنَّبيِّين والصّدِّيقين والشهداء والصّالحين، فقال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}، وقال: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَائِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}، فهم أَهل الرّفيق الأَعلى، {وَحَسُنَ أُولَائِكَ رَفِيقًا}، ولا يزال الله يَمدّهم بنعمهِ وأَلطافه، ويزيد إِحسانًا منه وتوفيقًا، ولهم مزيّة المعِيّة مع الله، فإِن الله تعالى مع الصّادقين.
ولهم منزلة القرب منه؛ إِذ درجتهم منه ثانى درجة النبيّين، وأَثنى عليهم بأَحسن أَعمالهم: من الإِيمان، والإِسلام، والصّدقة، والصّبر، وبأَنَّهم أَهل الصّدق فقال: {وَلَاكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} إِلى قوله: {أُولَائِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وهذا صريح في أَنَّ الصّدق بالأَعمال الظاهرة والباطنة، وأَنَّ الصّدق هو مَقام الإِسلام والإِيمان.
وقسّم سبحانه النَّاس إِلى صادق ومنافق، فقال: {لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}.
والإِيمان أَساسه الصّدق، والنفاق أَساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإِيمان إِلاَّ واَحَدهما يحارب الآخر.
وأَخبر سبحانه أَنَّه في القيامة لا ينفع العبدَ وينجيه من عذابِه إِلاَّ صدقُه، فقال تعالى: {هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، وقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فالذِى جاءَ بالصّدق هو من شأْنُه الصّدق في قوله، وعمله، وحاله.